ابن حمدون

329

التذكرة الحمدونية

إذا كنت ذا مال فبادر به الذي يحقّ وإلا استهلكته مهالكه فقلت له : من أين قضيت بهذا ؟ فقال : من قول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت ؛ فقلت له : هذا قول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ؟ قال : نعم ، قلت : فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك لا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكَّي ولا تقدّمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك ؟ فقال : يا أبا معن ، واللَّه إنّ ما قلت لهو الحقّ ولكنّي أخاف الفقر والحاجة إلى الناس ، قلت : وبماذا يزيد حال من افتقر على حالك ، وأنت دائم الحرص ، دائم الجمع ، شحيح على نفسك ، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد ؟ فترك جوابي كلَّه ثم قال لي : واللَّه لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم ، فأضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته ، فأمسكت عنه ، وعلمت أنه ممن لم يشرح اللَّه صدره للإسلام . « 858 » - وقال له بعض إخوانه : أتزكَّي مالك ؟ فقال : واللَّه ما أنفق على عيالي إلا من زكاة مالي ، فقال : سبحان اللَّه ، إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين ، فقال لي : لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم . 859 - وقيل له : مالك تبخل بما رزقك اللَّه تعالى ؟ فقال : واللَّه ما بخلت بما رزقني اللَّه قطَّ ، قيل له ، وكيف ذلك ، وفي بيتك من المال ما لا يحصى ؟ قال : ليس ذلك رزقي ، ولو كان رزقي أنفقته . « 860 » - حدّث ذارع من أهل البصرة قال : دعاني خالد بن صفوان

--> « 858 » الأغاني 4 : 21 . « 860 » البخلاء : 138 ونثر الدر 3 : 278 .